محمد بن جرير الطبري

391

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

المياه لا تحملنا ، فادع الله لنا يجري لنا نهرا فقال لهم طالوت : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ الآية . والنهر الذي أخبرهم طالوت أن الله مبتليهم به قيل : هو نهر بين الأَردن وفلسطين . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال الربيع : ذكر لنا والله أعلم أنه نهر بين الأَردن وفلسطين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال : ذكر لنا أنه نهر بين الأَردن وفلسطين . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة قوله : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال : هو نهر بين الأَردن وفلسطين . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن ابن عباس : فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ غازيا إلى جالوت ، قال طالوت لبني إسرائيل : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال : نهر بين فلسطين والأَردن ، نهر عذب الماء طيبه . وقال آخرون : بل هو نهر فلسطين . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فالنهر الذي ابتلي به بنو إسرائيل نهر فلسطين . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ هو نهر فلسطين . وأما قوله : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن طالوت أنه قال لجنوده إذ شكوا إليه العطش ، فأخبر أن الله مبتليهم بنهر ، ثم أعلمهم أن الابتلاء الذي أخبرهم عن الله به من ذلك النهر ، هو أن من شرب من مائه فليس هو منه ، يعني بذلك أنه ليس من أهل ولايته وطاعته ، ولا من المؤمنين بالله وبلقائه . ويدل على أن ذلك كذلك قول الله تعالى ذكره : فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ فأخرج من لم يجاوز النهر من الذين آمنوا . ثم أخلص ذكر المؤمنين بالله ولقائه عند دنوهم من جالوت وجنوده بقوله : قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وأخبرهم أنه من لم يطعمه ، يعني من لم يطعم الماء من ذلك النهر والهاء في قوله : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ وفي قوله : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ عائدة على النهر ، والمعنى لمائه . وإنما ترك ذكر الماء اكتفاء بفهم السامع بذكر النهر لذلك أن المراد به الماء الذي فيه ومعنى قوله : لَمْ يَطْعَمْهُ لم يذقه ، يعني : ومن لم يذق ماء ذلك النهر فهو مني ، يقول : هو من أهل ولايتي وطاعتي والمؤمنين بالله وبلقائه . ثم استثنى من قوله : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ المغترفين بأيديهم غرفة ، فقال : ومن لم يطعم ماء ذلك النهر إلا غرفة يغترفها بيده فإنه مني . ثم اختلفت القراء في قراءة قوله : إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فقرأه عامة قراء أهل المدينة والبصرة : " غرفة " بنصب الغين من الغرفة ، بمعنى الغرفة الواحدة ، من قولك : اغترفت غرفة ، والغرفة هي الفعل بعينه من الاغتراف . وقرأه آخرون بالضم ، بمعنى : الماء الذي يصير في كف المغترف ، فالغرفة الاسم ، والغرفة المصدر . وأعجب القراءتين في ذلك إلي ضم الغين في الغرفة بمعنى : إلا من اغترف كفا من ماء ، لاختلاف غرفة إذا فتحت غينها ، وما هي له مصدر ؛ وذلك